النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    إشكالية المصطلح المترجَم: المصطلحات الإسلامية باللغات الغربية


    إشكالية المصطلح المترجَم
    المصطلحات الإسلامية باللغات الغربية: نحو البحث عن حلول بديلة

    رغم المجهودات الكبيرة التي بذلها أصحاب النوايا الحسنة في مجال ترجمة النصوص الإسلامية إلى اللغات الغربية لم نتمكن من تجاوز حاجز المصطلحات التي تقرب المفاهيم الإسلامية إلى اللغات المتداولة في الدول الغربية. ولا يعني هذا الإشكال انعدام الوعي بالهوة السحيقة التي تفصل المصطلح الإسلامي عن المقابل الغربي، فقد رأينا كيف تعامل عدد من مترجمي معاني القرآن مع هذا الأمر باللجوء إلى الكتابة الصوتية للمصطلح العربي، بدءا باسم "الله" ومصطلحات مثل "الدين" و"الصوم" وصولا أحيانا إلى أسماء الأنبياء والرسل نظرا لاختلاف موقعهم في المخيلة اليهودية المسيحية مقارنة مع نظرة المسلمين إليهم.


    1- تقديم رأي المسلمين الغربيين على غيرهم ممن أدلى بدلوه في هذه المسألة
    عندما نقلب بين أيدينا نصوصا إسلامية مترجمة يجب أن نكون على وعي أننا نفهم اللغة العربية الفصحى وأن بإمكاننا النظر في التفاسير والمعاجم. الترجمة إلى اللغة الأجنبية موجهة أساسا لمن لا يفهم العربية لذلك يجب أن نتجرد من ذواتنا ونضع أنفسنا مكان المتلقي، وهنا تبدأ الصعوبات.
    أغلب الغربيين الذين تحدثت إليهم بشأن ترجمات النصوص الإسلامية إلى لغاتهم ذهبوا إلى أن المفاهيم التي وجدوها في هذه النصوص آتية من المجال التداولي اليهودي المسيحي، بل وأن هذه الترجمات تجعلهم يصلون إلى خلاصة مفادها أن "الديانات السماوية الثلاث" متقاربة من حيث القيم والمبادئ. الغريب أن هذا الرأي نجده عن الغربيين المسلمين وغير المسلمين ممن اطلع على النصوص الإسلامية المترجمة، والأغرب منه ارتياح بعض الدعاة له لأنه يستشف منه أن "هذه النصوص غير منفرة" رغم أنها في الحقيقة تضع القارئ الذي نبذ وراء ظهره المسيحية أمام نفس المفاهيم التي ضاق بها ذرعا كمفهوم الندم الرهيب عند النصارى الذي لا علاقة له بمفهوم التوبة الذي لبس رغما عنه لبوس الندم عند النصارى. ومثل هذه الإسقاطات كثيرة في ترجمة النصوص الإسلامية إلى اللغات الغربية. أمام هذا الوضع أصبح لزاما علينا أن نعود إلى هذه الآراء للاستئناس بها قبل الشروع في المراجعات الاصطلاحية والمفاهيمية التي ستمكننا من تنقية النصوص الإسلامية المترجمة من الشوائب.

    2. الإشكالات الجوهرية
    يرى الباحث الإسباني المسلم عبد المومن آية، الذي كان يسمى قبل الانتقال من الإلحاد إلى الإسلام بيثنتي هايا، أنه في مرحلة من المراحل بذلت جهود كبيرة داخل المجتمعات الغربية للترويج لفكرة التشابه بين الإسلام والمسيحية لغرضين أساسيين، أولهما التأكيد على أن الإسلام لا يعدو أن يكون نسخة باهتة عن الديانات الإبراهيمية، وثانيا لثني المسيحيين عن الانبهار بالدعاة إلى الإسلام ما داموا يكررون ما يقوله رجال الدين المسيحيين. وفي كتابه "إسلام بعيد عن الرب"، والعنوان يختزل لوحده إصرار الكاتب على الابتعاد عن المفاهيم اليهودية المسيحية بما في ذلك مفهوم الألوهية، يشخص الكاتب حالة التبعية الاصطلاحية التي ألزمنا أنفسنا بها من باب تقريب المفاهيم إلى العقل الغربي دون أن ندرك أننا نبعد من نريد أن نقترب منه بتوطين المفاهيم المترجمة التي تعيد بشكل أو بآخر القارئ الغربي إلى خانة تعاليم المسيحية، وهنا سنكون أمام حالتين، إما أن هذا القارئ الغربي سيكون مسيحيا مؤمنا، وبالتالي سيتعامل مع النص الذي يوجد بين يديه على أنه استنساخ للتراث اليهودي المسيحي مع تركيز شديد على التوحيد وبعض الجوانب الفقهية التي سيستغرب ما يختلف منها مع نمط حياته، أو سيكون رافضا لتعاليم المسيحية وبالتالي سيجد في هذه النصوص ما فر منه فرارا، فينفر منها كما نفر مما قرأ عن المسيحية.
    ليست الهوة التي نحن بصددها ذات طابع تقني بل هي جوهرية تتجاوز المسميات لتغير مضمون ما يعتقده القارئ أو السامع. مصطلح "دين" لا علاقة له ب "Religion" المفهوم الذي لا يتجاوز الطقوس والأحاسيس الميتافيزيقية والأخلاق ويقصي كل ما له علاقة بالتقنين وتنظيم حياة الناس ومعاشهم، انطلاقا من الطهارة ووصولا إلى إرساء معالم منظومة قيم متكاملة. مصطلح "دين" أشمل وأعمق بكثير من مصطلح "Religion" والمقابل الذي نختار ليست له نفس حمولة المصطلح الأصلي.
    و الأمر نفسه ينسحب على ترجمة اسم "الله" الدال على كل أسمائه. كم من داعية وإمام ومترجم مسلم استعمل بشكل آلي مصطلحات مثل God أو Dieu أو Dios وهو يقصد بذلك الله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، أي يقصد الحائل الذي حال دون أن تدخل أقوام من جزيرة العرب في دين الإسلام لأن الإقرار بالوصف المذكور وقبوله كان يعد في حد ذاته كفرا بالآلهة التي كانت تعبد في الجاهلية وفي المرحلة الأولى من الإسلام. ثم نأتي بعد كل هذه القرون ونختار مقابلا متأثرا بالمتغيرات المرتبطة باللاهوت المسيحي الذي يقوم على الفكر الإغريقي اللاتيني. السبب في هذا التباعد بلا شك هو مفهوم الألوهية في المعتقد الكاثوليكي. نقاط الالتقاء مع مفهوم الإله عند البروتستانت أكثر، على أن يهوه كما ورد في التوراة والتناخ وإله عيسى في النصوص الآرمية هما أقرب ما يكون إلى اسم "الله" عند المسلمين.
    قد يقول قائل، حتى النصارى واليهود ممن يتحدثون العربية يستعملون اسم "الله" دون يخالفوا مفهومهم للألوهية، بل المالطيون الذين يعيشون في مجتمع كاثوليكي ويتكلمون لغة أغلب مفرداتها عربية يستعملون اسم "الله" وهم على عقيدتهم المخالفة للتوحيد. أجل، لكن استعمال هذه المجموعات لاسم "الله" هو تداول محصور للمصطلح على أن المفهوم متعارف عليه بينهم، معروف لديهم وبالتالي ليست عندهم إشكالات في التأويل. أما الترجمات التي نتكلم عنها في هذا المقام هي تلك التي ترد في نصوص إسلامية مكتوبة بلغات غربية متشعبة عن اللاتينية وموجهة في الوقت ذاته للمسيحيين واليهود والملاحدة والمسلمين الغربيين من أبناء المهاجرين ومن اعتنق الإسلام من الغربيين، وبالتالي فالمصطلح الإسلامي المترجم لن يكون له نفس الوقع عند الجميع لأننا عندما نحلل طبيعة المتلقي سنجد اختلافا في الخلفية العقدية وسيقوم بعض المتلقين بمقارنات وإسقاطات في غير محلها لأن تجربة التلقي لا تواكبها بالضرورة القدرة على التجرد من الذات وتحييد الحمولة الفكرية التي تتحكم في الغالب في عملية القراءة.
    الإشكال لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه ليشمل مفاهيم لا تزيدها الترجمة التوطينية إلا لبسا من قبيل الجنة والنار والصلاة والصوم والوضوء إلخ...

    3. ما الحل؟
    إذا عدنا إلى كتاب عبد المومن آية يمكن أن نقول أن أهم ما ورد فيه هو تشخيص مأزق المسلمين الغربيين غير الناطقين بالعربية، لأنه لم يقدم حلولا عملية. لذلك لا نستغرب أن تكون آخر جملة وردت في الكتاب هي حث الغربيين المسلمين على "تعلم العربية، اللغة التي تنزل بها الوحي على محمد (ص)". لو عمل كل الناس بهذه النصيحة لما فتحنا هذا النقاش أصلا، لكن يجب أن نكون واقعيين وأن نقر في الوقت ذاته أن صاحب الكتاب الذي ورد ذكره لا يمكن أن يفعل أكثر مما فعل، فالمسؤولية ملقاة على كل من له دور في إعداد النصوص الإسلامية المترجمة إلى اللغات الغربية.
    أقر في هذا المقام أن باب الحلول ضيق وأن مقترح نحت مصطلحات ومفاهيم جديدة باللغات الغربية وإن لم يكن مستحيلا فهو صعب المنال. ربما يكون الحل المؤقت هو الرومنة المقرونة بالشروح الوافية في الهوامش لتكون الترجمة ترجمة تفسيرية إيضاحية وهذه العملية لن يطلع بها المترجم وحده بل يجب أن يشرك معه أهل الخبرة حتى يخلو التفسير من الأخطاء ونتجنب معالجة الإشكال بإشكال آخر، والله ولي التوفيق.

    مراد زروق
    الدارالبيضاء، المغرب


    التعديل الأخير أجراه الإدارة؛ 19-03-2018 الساعة 09:36 PM السبب : تعديل تنسيق النص

  2. #2
    السلام عليكم،

    مقاربة الأستاذ مراد زروق تطرح المشكلة بوضوح.

    إن محاكاة الموروث الكتابي للمتلقي الغربي غير المسلم سلاح ذو حدين، وإن الاقتصار على رومنة المصطلحات الإسلامية كالصلاة والزكاة والصوم والحج وشرحها في حواشٍ مفيد للمسلمين في الغرب وغير مفيد للقارئ الغربي لأنه لن يفهم النص المترجم ولن يستسيغه. والحل في رأيي إعداد أكثر من ترجمة واحدة للنص الواحد تُتَّبَع في كل منها الاستراتيجية الضرورية لتوصيل الرسالة للقارئ الـمُستَهْدَف بالترجمة.

    تحياتي الطيبة.

  3. #3

    الأستاذ الفاضل مراد زروق،
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

    أعتقد أنّ الإشكال الحقيقي في ترجمة النصوص الدينية الإسلامية لا يكمن في استعمال الرومنة Romanization أو النقحرة Translitération لنقل الألفاظ الإسلامية إلى اللغات الأجنبية، بل في لجوء المترجمين إلى إقحام مقابلات ذات مرجعية مسيحية أو يهودية في ترجمة معاني القرآن الكريم أو السنة المطهرة، وهو ما يجعل القارئ الغربي يرى تقاربا بين الإسلام والديانتين النصرانية واليهودية. فقد وظف بعض مترجي معاني القرآن الكريم ألفاظ مسيحية في نقل بعض المفاهيم الدينية الإسلامية غرار "الصراط المستقيم" الذي نجده مترجما في كثير من الأحيان بـ: la voie du salut، الذي يحيل على مفهوم "الخلاص" المسيحي. ألفاظ أخرى، نقلت أيضا باستعمال ألفاظ تحيل على مفاهيم متعلقة بالديانتين السماويتين المذكورتين. فعلى سبيل المثال، نجد لفظ "الإخراج" الذي يدل على إخراج قريش للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مترجما بـ: L’Exode، الذي يحيل على العهد القديم، ويدل على حادثة خروج بني إسرائيل من سيناء إلى فلسطين للنجاة من فرعون وجنوده، والحدثان التاريخيان، أي إخراج الرسول الكريم وأصحابه من مكة، وخروج اليهود من مصر إلى فلسطين مختلفتان تماما، دون أن ننسى ذكر حقيقة أنّ بعض الترجمات الاستشراقية المغرضة نقلت مفهوم الهجرة إلى اللغة الفرنسية بمقابل هو « la fuite » أي الهروب، والأمثلة حول هذه الترجمات المجرّمة لا تُعد ولا تُحصى.
    في الأخير، أرى أنّ تعلم اللغة العربية لمعتنقي الإسلام من الأعاجم أمر ضروري، لأنّ الترجمة مهما بلغت دقتها ووضوحها، إلا أنّه لا مناص من الرجوع إلى الأصل دائما.
    والله أعلم
    مع فائق احترامي
    الأستاذ باب الشيخ محمد
    المدية- الجزائر

    التعديل الأخير أجراه الإدارة؛ 21-03-2018 الساعة 06:55 PM السبب : تعديل تنسيق النص

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •