.
يونس - 12 (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
تشبه:
الأنعام - 122 (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

السؤال:
لماذا وصف التزيين للمسرفين في آية يونس، ووصفه للكافرين في آية الأنعام، مع أن قبلهما ذكر أعمال الكفر والمعاصي؟... وإذا كان الله هو الذي زين لهم ما كانوا يعملون فكيف يحاسبهم عليها ويعاقبهم بها؟

الجواب:
قال في آية الأنعام (لِلْكَافِرِينَ) لأنه سبقها (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) والمعنى أو من كان ميتا في غمرات الجهل والكفر فأحييناه بنور الإيمان والعلم كمن مثله في ظلمات الجهل والكفر ليس في قلبه حبة خردل من إيمان فناسب أن يأتي بعدها (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ). ووصفُ الكفار بأنهم أموات ورد في مواضع عديدة، كما في قوله تعالى (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون)، وقوله (لينذر من كان حيا)، وفي قوله (إنك لا تسمع الموتى)، وقوله (وما يستوي الأحياء ولا الأموات)، فالقرآن جعل الكفر موتا والكافر ميتا، كما جعل الهدى حياة والمهتدي حيا.

أما في آية يونس فالكلام على جنس الإنسان الذي قال عنه (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)، فهذا وصف جنس الإنسان، بضجره وتوتره وقلقه إذا مسه الشر (وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)، فيدعو في كل أحواله مضطجعا وقاعدا وقائما، فإذا فرج الله شدته أعرض ونأى بجانبه. وهذا الذي إذا مسه الضر تذكر ودعا ربه وإذا كشف الضر عنه نسي وغفل ليس بالضرورة كافرا ولا مشركا، فناسب أن يختم بقوله (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ).

و(زُيِّنَ) فعل مبني للمجهول، فمن الذي زين للكافرين وللمسرفين؟
التزيين يذكر في القرآن أحيانا أنه من الله تعالى، كقوله (كذلك زيَّنا لكل أمة عملهم)، وأحيانا يذكر التزيين من الشيطان، كقوله (لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم)، وكذلك يذكر التزيين من النفس، كقوله (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين).

ولأهل العلم وللمتكلمين تفصيل طويل في هذه المسألة، ونحسب أن الأمر يمكن فكه وتوضيحه بسهوله تناسب وضوح ديننا ويسره وكونه دين الفطرة، على النحو التالي:

إن الله تعالى هو خالق الطباع والشهوات والرغبات المركوزة في نفس الإنسان، وأعطى كل إنسان استعدادين للتعامل مع هذه الحقائق التي بداخله، إما على وجه حسن محمود، وإما على وجه فاسد مذموم. خذ مثلا قوله تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب). فهذه الشهوات الست لا يمكن أن توصف بأنها في ذاتها مذمومة أو مُستقذرة، ولكن هي شهوات "موجودة" و"مركوزة" في النفس البشرية، ثم يكون امتحان الحياة في التعامل معها، إما وفق الشرع الحكيم الذي يضبطها ويفتح لها سبيلا نظيفا متوازنا، أو وفق الهوى أو العادات فتنفلت وتؤدي إلى أعمال مذمومة. فالله تبارك وتعالى هو الذي أوجد هذه الطباع، وترك للإنسان حرية الاختيار والقرار، وهو مهيأ تماما لكلا الاختيارين، كما قال تعالى (وهديناه النجدين) وقوله (إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا)، فالهدى والضلال قرار شخصي، وإن كان الخلق كلهم وقراراتهم تحت المشيئة الإلهية بطبيعة الحال. هذا الاختيار هو الذي يجعل للثواب والعقاب معنى، فالإنسان يطيع ربه وهو قادر على معصيته، ويعصيه وهو قادر على طاعته، وهذا هو جوهر امتحان العبودية، وجوهر الأمانة التي حملها بنو آدم. بعد الخطوة الأولى للإنسان، يكون التيسير أو التعسير، ويقع تزيين لكلا الفريقين للسبيل الذي اختاره كل منهم، وهو ما يفهم من قوله تعالى (كذلك زينا لكل أمة عملهم)، ويفهم أيضا من قوله عز وجل في خطابه لأهل الإيمان (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان).
ولعل آيات سورة الليل تلخص وترسم حدود هذه المسألة بدقة بالغة وسياق محكم، في قوله تعالى (إن سعيكم لشتى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى).

أما الشيطان فدوره يبدأ مبكرا، حتى قبل أن يأخذ الإنسان قراره أو يختار طريقه، إنه يزين أعمال الباطل التي تستند إلى هذه الطباع أو الشهوات، كما في قوله تعالى (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)، وقوله (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). وليس للشيطان شأن بطبائع النفس أو طبائع اجتماع الأمم، فهي سنن الله تعالى في خلقه، ولا يصح إسنادها إلى الشيطان، وقريب من ذلك قوله تعالى (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا).

إن مجاهدة النفس لضبط رغباتها وشهواتها على شرع الله دون استغراق أو إغراق، مجاهدة تصاحب الإنسان في حياته كلها. خذ مثلا في آية (زين للناس حب الشهوات)، خذ أول هذه الشهوات، حب الرجال للنساء، والعكس، وهو حب فطر عليه الإنسان، وله طريق طاهر نظيف، وله طرق خبيثة فاسدة. فإذا سلك العبد طريق الشرع، وكف نفسه عن الحرام، وغض بصره عما لا يحل له، وجاهد نفسه على ذلك، سيجد تيسيرا وتزيينا لهذه الطاعة ويجد حلاوة في قلبه من آثار هذه المجاهدة، وذاق طعم الحلال. وكذلك لو سلك طريق الحرام واختار مصادمة الشرع، فسيجد تزيينا لهذا الظلام في قلبه، (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، ولا يظلم ربك أحدا.

منقول عن د. محمد هشام راغب (من كتابه الجديد "إعجاز المتشابهات في سورتي يونس وهود")

.